mercredi 13 mars 2019

تلك المرأة التي تهدهدني

ترافقني في كل مكان. وأنا أستظل بالنباتات اليابسة. تربّت على كتفي. تتغلغل في كياني ليلا وأتوسّد موسيقاها في كل منعرج. هي الخير كله ذاك الذي يأتي حين الغرق. اليد التي تمتد إليك حين ترفض الأيادي الأخرى فعل ذلك. لا تملّ من مساعدتي على تخطي شؤم البدايات وبؤس النهايات. أتبسم في داخلي حين أذكر ضحكتها وهي ترافق الوقت وهو يتهادى والذكريات وهي تتكئ على جنبات الأيام الذاهبة إلى منتهاها. كأني أملأ أذني و روحي بما تردده شفتاها من كلام مزركش ومعاني مترفة. تتملكني الوحشة حين لا أسمع صوتها يوجهني كالحادي، كالربان نحو الحدود البعيدة. ألملم روحي وأنام. بمجرد أن أفتح عيني صباحا تسألني: "كيفك أنت؟". أعرف اسمها جيدا: فيروز
(الصورة عبد السلام يخلف من التسعينيات)


مرتادو غواية ...الحافلة

ينتظرونها في المنعرجات الكئيبة. كانت تصنع الفرح بمجرد أن تظهر في الأفق. تمدّ يديها كالأشرعة وهي تطوي المسافات وتلهث ويسمع شخيرها من الدواوير المجاورة للطرق الترابية والمداشر المحظوظة القريبة من الطرقات المعبدة. يتكدسون فوق مقاعدها التي تمنحهم الدفء مقابل دريهمات معدودة. لم تكن مكلفة أبدا لجيوب الضعفاء. يصعد البعض فوق سطحها كي يحرس الدجاج وأكياس الطحين والقمح ورزم الثياب والأفرشة. كانت حافلات "البيرليه" تُعرَف بأصحابها، فهي إما لعائلة خطابي أو قوطاس. كم من العجلات بدّلتْ بقدر ما بدل الناس من أحذية. لا تئن ولا تشكو طول الطريق. فرحها الكبير هو فرحهم حين توصلهم إلى مبتغاهم. ها هم اليوم قد وصلوا إلى مبتغاهم النهائي واشتروا سيارات المرسيدس والرانج روفر رباعية الدفع والكيا سيراطو. مثل الطيور تماما، جاءت إلى هذا المكان القصيّ كي تموت في صمت. من يذكرها؟ من يحنّ اليوم إليها؟ كان يمكن أن تتحول إلى مكتبة أو مطعم أو مقهى أو متحف...أيها الجاحدون / أعرفكم واحدا واحدا.
(الصورة عبد السلام يخلف رفقة صديقي علي دعاس، قسنطينة، ضواحي قرية ابن باديس / الهرية 28-05-2012)


دقات الوحشة و هي تقفز فوق نولي
يابس طيفها و هو يمضي كالمنامْ
بخيوط الوحدة
أغزل لها غابة
أنسج لها سبحة

مروحة
منديلا
من تفاصيل الفجر
ميناء ترسو فيه خلاخيلها
و أمواج المدامْ
   ( عبد السلام يخلف)



مسرحية "يا ليل": متاهة الأرواح

مساء الجمعة أمام مسرح قسنطينة التقيت صديقيّ مهدي ووحيد والتقطنا صورة أمام لافتة المسرحية التي تقدَّم على ركح المسرح خلال الأسبوع ويلعبان فيها أدوارا. عنوان المسرحية "يا ليل" وهو نص للكاتب المغربي عبد الكريم برشيد ويخرجه هارون الكيلاني. مجموعة حكايات تتقاطع وتتباعد في ليل حالك يحيك فيه الكل مساره ويتشبث بالحياة في انتظار طلوع النهار ويكون ذلك يوم آخر. بين الموت والحياة، بين الضحك والبكاء، بين الدهشة والعبرة تلتقي نظرات وزفرات وأطماع العابرين لليل. لغتهم ملغمة، أظافرهم من نحاس لكن قلوبهم هشة، تعترف من أول وهلة أنها ضائعة تبحث عن مخرج من المتاهة. إنه حال كل واحد من شخصيات المسرحية (الدرويش والمرأة والكاتب والبحّار والإرهابي والشرطي وأعضاء العصابة...). مسرحية فيها من الفرجة ما جعلها عملا متفرّدا يمتع المتفرج لمدة طويلة قبل أن ينساها. 
(الصور عبد السلام يخلف 14 و 2018/12/15 )


 
الحراقة / بلغة الجزيرة الوثائقية

أبدع الجزائريون كلمة "الحرقة" و "الحرّاقة" وهي من الحرق والحريق والتي تعني عدم التوقف عند الإشارات أو الحدود وغدت الكلمة مصطلحا لا يمكن ترجمته لأنه يأخذ جذوره في اللغة العربية ولهذا حافظوا عليه في اللغات الأخرى. لا شيء غريب حتى الآن. الغريب هو أن القناة العربية "الجزيرة الوثائقية" لم تأخذ الكلمة من أصلها وأخذتها من النطق الفرنسي (بما في ذلك حرف S في آخر الكلمة والذي يشير للجمع). ما الذي يحدث في عالمنا العربي حتى أصبحنا نأخذ كل شيء من واشنطن ولندن وباريس؟ كان على صحافي القناة أن يسأل الجزائريين، أو أنه يعتقد كما يعتقد المعتقدون الآخرون أن الجزائريين لا يعرفون اللغة العربية ؟


يا 2018 : سأنتظر حتى يذوب السُّكر

تمرّ سنة أخرى على العادة، كعادة كل السنوات. أباركُ الذي مرّ والذي سيأتي. أجمعُ الذي تهاوى حولي وأنتظر. أدورُ على نفسي وأتمتمُ كأني وسط عرس انتهى للتوّ وأوقظ ُ الأجرامَ النائمة والأيادي المتوترة. أرسمُ لخلوتي دائرة ً من القهقهة تضيء الشوارع المجاورة للأنين. هي الآن على مشارف الغياب. اسمها 2018. كلما سألتـُها عمّا أنتظرُه منها، أن تفرغ بعضا من الشاي في سهراتي، كانت تقول مبتسمة: "أصبر تا يذوب السّكر".
الجملة تقولها فيروز بصوتها الذي كالفاكهة التي تنتظر القطف في سلال من ضوء. رجاء استمعوا لأغنية مدتها 3 دقائق تستمرّ معكم كالأبدية. أصبروا فقط...سيذوب السُّكر وتحلو الحياة / للجميع: عامكم عسل


تحياتي لصديقي الشاعر المغربي محمد الصالحي الذي التقيته خلال احتفال قسنطينة بكونها عاصمة للثقافة العربية وتجولنا في أحيائها القديمة وتمتعت بقراءة ديوانه الشعري "أتعثر بالذهب". كيف لا نحبه وهو القائل: ""أي عزيز / فقدت الريح / فهي / منذ الفجر،
تنوح، وتلطم خدّها" ..../ 
عامك طيب
 ( عبد السلام يخلف)